مقالات رأي

الصراع في ليبيا | الحرب كشكل من أشكال الاستثمار الاقتصادي

بقلم الأستاذ رياض حاوي

الحرب لها تكلفة.. والمال يجب أن يأتي من مكان ما.. ومن يستثمر في الحرب يبحث عن عائد الاستثمار.. أي أرباح تفوق رأس المال.
ما يحدث في ليبيا لا يخرج عن هذه القاعدة.. والأطراف المتصارعة تعد تكاليفها وتنتظر عوائد استثمارها..
الفرق أنه في الحياة العادية كل تبادل يؤدي إلى أن الجميع يربح..
ولكن في الحروب بكل أسف المعادلة صفرية.. أي إذا ربح طرف يجب أن يخسر طرف آخر..
ليبيا تملك أكبر احتياطي نفطي في افريقيا مكتشف يكفي 77 سنة قادمة .. وأرض شاسعة لا تزال تخفي كثيرا من الأسرار..
طاقة الإنتاج النفطي الليبي تبلغ 1.6 مليون برميل في اليوم كمعدل ويمكن ان تصل الى 2.5 مليون برميل،
معدل الدخل السنوي من النفط لا يقل عن 29 مليار دولار بمعدل 50 دولار للبرميل
عدد السكان 6.3 مليون نسمة فقط
هذه المعطيات مغرية جدا.. وتسيل لعاب الكثير من الذئاب الدولية..
نظريا الشعب الليبي المفروض يكون في وضع مادي جيد لا يختلف الدخل فيه عن دول الخليج مثل قطر والإمارات واحسن من السعودية أي ان ليبيا المفروض هي سنغافورة في شمال افريقيا (سنغافورة 6 ملايين نسمة أيضا بمساحة صغيرة جدا لا تقارن مع ليبيا).. لكن بسبب سوء التسيير الذي كان في عهد القذافي والعبث بالمال العام بقيت في وضع مزري..
واليوم بسبب الخلاف الداخلي والصراع على النفوذ بين فرقاء المشهد الليبي تحول الى محل أطماع من كل من هب ودب..

الحرب والاستثمار


ماليا الدول المتصارعة ترى في ليبيا فرصة استثمارية، مضمونة العوائد..
مصر ترى فيه فرصة لحل بعض مشكلاتها المالية عبر ضخ اموال في النظام المالي المصري وتوظيف العمالة في ليبيا بعد ربط اتفاقات مع حفتر وجعله حصان طروادة لا ننسى أن العمالة المصرية في ليبيا كانت بالآلاف في عهد القذافي.

قطر والامارات.. وصراعات فارغة


بالنسبة للإمارات تعتبر طرابلس تهديدا لنفوذها الاقتصادي ومكانتها في البلاد العربية كسنغافورة عربية فهي تخشى أن تتحول طرابلس الى استقطاب الأموال الدولية والاستثمارات الخارجية ويحولها الى سنغافورة العرب في شمال افريقيا.. فطرابلس تتوفر على أهم مكون وهو السيولة النقدية الفائضة مع وجود مناخ طبيعي احس بكثير من الامارات والاهم محاذية لأوروبا.. أي كل عوامل الاستقطاب الاستثماري الدولي يمكن أن تحدث في ليبيا بقليل من الرشد والتعاون بين أبناء الوطن واتباع سياسات اقتصادية صحيحة.. ويكفي أن تنطلق الاستثمارات الجادة في ليبيا حتى تتدفق من كل أصقاع العالم مقارنة مع الإمارات التي تتجه نحو التشبع والانكماش.
الإمارات تدرك جيدا أن دخول المال القطري والخبرة التركية إلى ليبيا سيؤدي تلقائيا إلى ظهور قطب استثماري جديد في شمال افريقيا لديه السيولة ويملك الحماية والأرض والمناخ الجميل.. وهذا لا تتحمله..
جوهر الاختلاف بين قطر والامارات ان قطر اتخذت مسارا استثماريا في عشرات الدول لانها تدرك ان منطقة الخليج منطقة معزولة.. مثلا تبلغ استثمارات قطر في ماليزيا حسب بعض التصريحات عدة مليارات دولار وأكبر شوبينغ مول في قلب العاصمة ماليزيا استثمار قطري.. نفس الشيء تبلغ استثمارات قطر في فرنسا 20 مليار دولار.. وتبلغ في ألمانيا 10 مليار دولار في قطاع الطاقة على مدى السنوات القادمة.. في الصين دشنت استثمارات بقيمة 5 مليار في قطاع الغاز السائل ولديها استثمارات في قطاعات أخرى. القطريون ادركوا ان قوتهم المالية ستكون في صالحهم إذا استثمروها في دول اخرى لان منطقة الخليج صغيرة وعدد السكان محدود لا يتجاوز 15 مليون نسمة بالمهاجرين أما بدونهم فأقل من 5 مليون نسمة..
بينما النموذج الاماراتي بكل أسف يقوم على احتكار الريادة ومنع أي دولة ثانية أو ميناء ثان من البروز إذا كان يشكل تهديدا على مكانتها.. القطريون يرون أن استثماراتهم في المراكز المالية والمناطق الصناعية الدولية اجدى نفعا من استثمارها في منطقة معزولة مليئة بالصراعات مثل الخليج العربي. وهذا ما سهل مهمة قطر فيكفي أن تدفع للاستثمار في أي نقطة كبديل عن خدمات الإمارات ودبي تحديدا حتى تشعر هذه الأخيرة بالتهديد.. فمثلا ميناء جوادار في باكستان المدعوم من الصين وقطر تساهم بنسبة 15% في مشروع “China–Pakistan Economic Corridor” (CPEC مما جعل الإمارات تشعر بالتهديد حيث أصبح وضعها المالي مهزوزا مقارنة بسنوات ماضية. وكلما ينشط هذا الميناء ويتوسع فإن ذلك على حساب ميناء دبي الداخلي. بعض التقارير تؤكد ان ميناء جوادار الباكستاني يخفض تكلفة النقل إلى الصين بين 60% و70% حسب ما ذكره نائب الرئيس الصيني.
ويكفي ان نعلم ان الإمارات اضطرت على مضض أن تسمح بملكية كلية للشركات سنة 2018 فقط ولا يشترط كفيل محلي أو مواطن محلي لتأسيس الشركة.. وذلك بسبب تراجع تدفق الأموال الدولية إلى الامارة.. وكثير من يعمل هناك يتحدث عن تأخر في دفع الأجور يصل إلى 6 أشهر في بعض الشركات..
كما ان الامارة حاولت معالجة بعض الاختلالات المالية بفرض اجراءات ورسوم مالية كبيرة جدا تعكس العجز في الموازنة العامة.. ولكن هذه الإجراءات انعكست سلبا على تدفق الاستثمار والعمالة الأمر الذي دفعها في مطلع جويلية الماضي إلى تخفيض الرسوم إلى 94% في بعض الخدمات الحكومية من أجل تخفيف الضغط على مناخ الأعمال كما ورد في صحف إماراتية.
كذلك الاستقرار النسبي في ايران وافغانستان والصومال والعراق وعودة تدريجية للنظام البنكي في هذه الدول إلى الاندماج في النظام المالي العالمي جعل مكانة دبي المالية تتراجع إذ لم تعد الوسيط بين هذه الدول والنظام المالي العالمي..
ضخت الإمارات استثمارات كبيرة جدا في العقارات والتي سجلت تراجع في الأسعار بلغ بين 10% و25% هذه السنة ومرشح للارتفاع في السنوات المقبلة بسبب مغادرة رجال الاعمال من ايران وافغانستان والعراق راجعين الى دولهم بعد استقرار نسبي في النظام البنكي..
وميناء دبي كان ميناء وسيط وانتقالي لسنوات ولكنه أصبح ميناء يشهد عزلة تكبر يوما بعد يوم بعد أن طورت الدول المجاورة موانئها وأصبحت حركة نقل البضائع مباشرة لها وهذا ما يجعل الإمارات حريصة على ان لا تتطور موانئ عمان والتحكم في موانئ اليمن مثلا لانها اكبر تحدي لحركة السفن التجارية فموانئ اليمن تقع في المرر الرئيسي بينما ميناء دبي ممر داخلي معزول.

تركيا.. مشروع مارشال تركي في ليبيا


ما ينطبق على الامارات ينطبق على تركيا..
فنموذج التنمية التركي جمع بين الهايكية على مستوى الانفتاح على القطاع الخاص والكنزية باقحام الحكومة في المشاريع الضخمة عبر القروض.. والوصفة لم تطل كثيرا حيث بدأت الآثار الجانبية للكنزية تلوي حبلها على عنق الاقتصاد التركي. أكبر مطار واكبر مستشفى وأكبر أسطول طيران مدني كلها مشاريع تأتي بتكلفة والمال يجب ان يخرج من جيب ما. ومن زار المطار القديم الذي كان يعج بالمسافرين ويزور الجديد سيلاحظ ان الجديد كبير جدا مقارنة بالحركة الفعلية.
ولذلك تركيا أيضا لها حسابات مادية وأطماع تجارية لان مليار دولار عيني ينعكس إلى ما لا يقل عن 10 ملايير دولار حسب أثر التضاعف.. فضلا عن القلق الجيوسياسي فتركيا تنظر إلى وصول يد السيسي إلى أموال الشعب الليبي يمثل مؤشر خطير بالنسبة لها، لأنه لا يمكن لدول الخليج أن تستمر في ضخ الأموال لدعم نظام السيسي خاصة في غياب العائد.. فوصول خصومها إلى الكنز الليبي يشكل مزيدا من الإزعاج والتهديد فضلا عن كون ليبيا في وضع ضعيف وتعتبر مجالا مفتوحا لتنشيط الاقتصاد التركي كما فعلت في الصومال عبر مشروع مارشال تركي.. والتدخل التركي مثل الاماراتي والمصري استثمار بعيد المدى يجب أن يعوض عبر العائد المادي. ليس هناك شيء مجاني.
وعلينا ان ندرك انه على المستوى الاستراتيجي العسكري تركيا أيضا تبحث عن ميدان معركة لتدريب جيشها واختبار معداتها.. فهذا جزء من المشهد الذي يجب أن لا نقفز عليه. عندما يجلس كبار الضباط والسياسيين يناقشون الملف الليبي ستكون هذه العوامل كلها مطروحة فوق طاولة النقاش. باقي ما ينشر في الإعلام هو مجرد كلمات منمقة تصلح لمغالطة البسطاء.

الحرب قبل كل شيء تكلفة


ما ينطبق على تركيا والامارات ومصر ينطبق على الدول الاخرى مثل روسيا والاتحاد الأوروبي.. الجميع يريد أن تكون لديه اليد العليا على أموال الشعب الليبي والتصرف في الطاقات المالية المجمدة تحت مسميات مختلفة..
فالوضع المالي الليبي مثالي ولذلك الكل عينه على الاستثمارات التي يضمنها النفط وعدد السكان الصغير.. فهناك فائض من الأموال القابلة للاستثمار والتوظيف..
في ظل هذه المعطيات تحولت الحرب في ليبيا إلى معادلة صفرية، كان يمكن الضغط على الأطراف الليبية لترتيب بيتها الداخلي وتنشط حركة الاستثمارات بين مختلف الدول لكن بكل أسف أصبح من الواضح أن بعض الأطراف الدولية لم تعد تراهن على أي شكل من أشكال المصالحة بين مكونات الأزمة الليبية وكل واحد وضع ثقله في جهة ما.. والخيار الوحيد أن ينتصر على الأرض حتى يسترجع تكلفة الاستثمار..
ما يؤسف له أن مكونات الصراع الليبي رمت نفسها في احضان الأحلاف الدولية.. وأصبحت العودة إلى الوراء شبه مستحيلة.. وهذه أخطر مراحل الصراعات الداخلية.. والنموذج السوري أمامنا حيث تحالف أحد مكونات الصراع مع روسيا كحليف دولي كبير فرض قواعد اللعبة الجديدة عبر سياسة التدمير الشامل والأرض محروقة وحسمت روسيا الصراع لصالحها وهي اليوم لها الكلمة العليا على القرار السياسي والاقتصادي في سوريا..


الجزائر على خط النار

لم تكن ليبيا مشروعا اقتصاديا للجزائريين ولا حتى لامتصاص جزء من البطالة رغم علاقاتنا الطيبة مع نظم الحكم المتعاقبة.. كانت الجزائر مستغنية فلم تشكل ليبيا أي بعد استثماري من هذه الناحية. ورغم الظروف الصعبة للجزائريين في حقب مختلفة من تاريخهم منذ الاستقلال ومع ذلك لم تشكل ليبيا ملجأ للهجرة او كسب المال.. ففي الخيال العام ليبيا ليست مشروعا استثماريا للجزائر..
لكنها اليوم تشكل تحديا أمنيا حقيقيا. فالقضية مرتبطة أولا بشريط حدودي لا يقل عن 900 كم وازمة مجاورة لها بعد دولي وأطراف عالمية متصارعة ستفتح المجال إلى هجرة جماعية للمدنيين باتجاه الجزائر في حالة تصاعد الحرب، فضلا عن انعكاسات تسرب كميات كبيرة جدا من الأسلحة في أرض مفتوحة لا يملك فيها أحد السيطرة.. والوضع في الجزائر لا يتحمل هذه المخاطر.. اللجوء الجماعي مشكلة مكلفة وتسرب كميات من الأسلحة ودخول قوات عسكرية وميليشيات من مختلف البقاع الأرض مكلف أيضا.. على الصعيد الأمني والاقتصادي.
لذلك فإن مصلحة الجزائر هي الدفع إلى حل تفاوضي بين الفرقاء لاحتواء الأزمة.
ما الذي يفرض حلا تفاوضيا..
الحل التفاوضي لن يفرض إلا في حالة واحدة فقط أن تكون قوة الفرقاء المتصارعين متكافئة.. أي أن عناصر الصراع لم يعودوا قادرين على توقع نتيجة إيجابية لصالحهم.. هنا تصبح المفاوضات شكل آخر من أشكال الحرب لأن الحرب مكلفة للجميع دون نتائج مضمونة.
دخول الفاعل التركي بقوته العسكرية جعل بعض الأطراف تدعو لخيارات تفاوضية لأن المعركة ستصبح صراعا عسكريا مدمرا للجميع.. في تقديري التحرك السريع لتركيا ودخولها خط النار في ليبيا جعلت الحلف المصري الحفتري الاماراتي يغير التكتيك ويعيد النفخ في مؤتمر برلين مرة أخرى، بعد أن كان يماطل ويتثاقل لأنه كان يريد أن يحقق حسما على الأرض يكفيه من جدل مؤتمر برلين والمماطلات والجمود العسكري على الأرض..
ونحن في الجزائر نجد أنفسنا في قلب النار.. نتحمل الخسارة فقط.. ولذلك الربح الوحيد أن لا تقع الحرب.. والحرب لا تقع فقط بشرط واحد هو ان تكون اطراف الصراع متكافئة.. فتصبح الحرب نفسها دمارا على الجميع، الرابح فيها خاسر. فيضطر الجميع إلى الجلوس إلى مائدة المفاوضات..
بكل تأكيد صانع القرار الجزائري يراهن على أن لا تقع الحرب.. وإذا وقعت يجب أن تتوقف بسرعة.. تبقى من بين الأوراق التي تفرض نفسها أن الحرب لن تقع إلا إذا كانت القوة متكافئة بين أطراف الصراع.. فهل ستلقي الجزائر ثقلها مع أحد أطراف الصراع لتحقيق التكافؤ ومن ثم منع الحرب أو توقفها سريعا في حالة نشوبها.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق