مقالات رأي

الصدقة الراجحة

بقلم أحمد أبو زهير لقرب

مع حلول أزمة “فيروس كورونا “وإعلان وضعية الحجر الصحي والمنزلي الوقائي منذ شهر مارس 2020 عبر التراب الوطني ، شهدنا وشاهدنا ولا نزال هبة تضامنية عارمة من كل أبناء المجتمع وبمختلف أطيافه وهيئاته ومؤسساته …أفراد وجمعيات وتنظيمات و…إلخ ، تجندوا جميعا وتخندقوا في صف واحد في مواجهة الوباء … أداء للواجب الرامي للمساهمة في بذل المعروف والتشرف بالجندية في ميدان خدمة إخوانهم و مجتمعهم بشتى أنواع الخدمة وألوان التطوع …غير أن من الأصوات البائسة المصعوقة بما رأت من أعمال بطولية لم تجد سبيلا سوى محاولة عرقلة وتثبيط الهمم وثني العزائم عن ذلك، محاولة الولوج من بعض المنافذ والمكائد الشيطانية لتضعف الجهود وتعيق هذه السواعد الخيرة بدل أن تنخرط مع إخوة الوطن في الجهد والجهاد …في التعاون والتكافل …

  مما تلوكه ألسنتها وتقوله : هذه الأعمال  فيها رياء وحب للشهرة ومتاجرة باسم الدين   …إلخ ، وعليه فإظهارها ضرب من النفاق ولا يجني أصحابها سوى الإفلاس و التعب ؟

فهل أصحاب هذا القول  صادقون فيما يقولون ؟

وهل للشرع مقاصد في إظهار الصدقات وإبدائها  ؟

ومتى تكون المصلحة في ذلك راجحة ؟

أولا : إن البذل والعطاء والتضامن والتراحم بالنسبة للمسلم عموما وللجزائري الأصيل خصوصا هو أسلوب حياة لا ضجة عابرة ، فلا تكتمل له سعادة حتى يرى إخوانه سعداء مطمئنين في أحوالهم وحياتهم ، فمن طبعه حب الخير والإحسان للغير حتى من غير ملته وجلدته ولو بحكم إنسانيته  وهو يحاكي في هذا مبادئ دينه المتأصلة فيه وطبعه الموروث عن أجداده فلقد ورد في الحديث الصحيح :(مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) رواه ومسلم

ومن أروع الأمثلة القريبة لتعاضد وتكافل الجزائريين والتي لا تزال منحوتة في ذاكرة الأحرار ما كان أيام الاستعمار إلى زلزال الأصنام سنة : 1980و فيضان باب الوادي سنة : 2001 إلى زلزال بومرداس : 2003 وفيضانات غرداية سنة : 2008…إلخ وهذا ما لا يستوعبه ويتعامى عنه مرضى النفوس وسيئو الطباع من  المستأجرين في الإغارة على أخلاقنا وقيمنا الاجتماعية الراقية والتشويش على الناس في محاولة لاختراق حصن الانتماء إليها وضعضعة الإيمان بها و إضعاف التمثل بها في سلوكاتنا …يستغل هؤلاء القوم كل سانحة ليشوهوا ويشككوا ويسمموا… تارة في ثوب المعلم النصوح و تارة أخرى في ثوب الوصي الكفيل …ينفثون أفكارهم وينشرون رؤاهم في هذه الوسائط الإلكترونية وفي المحافل والمجامع المختلفة بكل جرأة وقد بلغ ببعضهم الذهاب إلى المحسنين ليزينوا لهم باطلهم ويصدوهم عن سبيل المؤمنين والإيقاع بينهم وبين المتصدقين الخيرين والوسطاء الاجتماعيين الفاعلين …ولهم أحيانا من القدرة على المجادلة والمحاججة والإقناع ما يجعلك في ذهول …وتكون في ذهول مركب عندما لا تعثر لهم على أثارة من علم نافع أو عمل صالح لا لأنفسهم ولا في ساحات الوطن وميادين الخير …منهم من لا يصلي لله ركعة ولا يقيم لشرعه وزنا بل فيهم من لا  يزال تائها (يبحث عن الله )…كم تألموا لعدم تلبية طلبهم الماكر بتحويل المسجد الأعظم إلى مشفى وكم غاضهم صدور فتوى جواز تسبيق إخراج الزكاة لمستحقيها  قبل حولان الحول … وهم يعتبرون أنفسهم أذكى عقولا وأنضج فهوما … تغربوا قلوبا وعقولا ، وانطبق عليهم تماما ما يتصف به دعاة ” الحداثة ” وعتاة ” العلمنة ” عندنا…الذين يختفون في  مثل هذه الأوقات العصيبة  إلا من النظرة التشاؤمية والطعن في مقدرات الشعب والحنق من نبلاء الوطن المؤتلفين والمتلاحمين في مواجهة الجائحة ومحاصرة الوباء … يصدق فيهم ما جاء في وصف المنافقين …من لمز وسخرية و أمر بالمنكر ونهي عن المعروف وإفساد للأخلاق و بخل وتنفير وصد وتخذيل  للناس عن فعل الخير …قال الله تعالى : ( الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )التوبة : 79  ورد في تفسير الإمام الطبري : ”  عن يحيى بن أبي كثير اليمامي قال: جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله مالي ثمانية آلاف, جئتك بأربعة آلاف، فاجعلها في سبيل الله, وأمسكت أربعة آلاف لعيالي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بارك الله فيما أعطيت وفيما أمسكت! وجاء رجل آخر فقال: يا رسول الله, بتُّ الليلة أجرُّ الماء على صاعين, فأما أحدهما فتركت لعيالي وأما الآخر فجئتك به, أجعله في سبيل الله، فقال: بارك الله فيما أعطيت وفيما أمسكت! فقال ناس من المنافقين: والله ما أعطى عبد الرحمن إلا رياءً وسمعة, ولقد كان الله ورسوله غنيَّين عن صاع فلان! فأنـزل الله:  )الذين يلمزون المطوّعين من المؤمنين في الصدقات(، يعني عبد الرحمن بن عوف ،( والذين لا يجدون إلا جهدهم ( يعني صاحب الصاع  ،) فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم.”)

وقوله تعالى : ( وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلا وَهُمْ كَارِهُونَ )التوبة :54

وقال تعالى : ( الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) التوبة : 67

 وقال : (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا ۗ وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُون) المنافقون: 07 وقال : (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ.) التوبة:81

تأمل القلب الموبوء والفهم السقيم واللسان الحاد والشر المستبطن والظاهر لدى هؤلاء … !

تدبر ما يحملونه من فيروسات الحقد والكراهية والحسد للمتدين الواعي وللمواطن الصالح… !

انظر كيف يستثمرون في الآلام ويستمتعون بالعذابات … !

أين هم …فنحن نبحث عنهم باسم الوطن وباسم الإنسانية ليس إلا ؟

لقد كذب هؤلاء الناعقون ولم يصدقوا … فلنحذرهم !

يتبع…

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق