مقالات رأي

الصدقة الراجحة 2

بقلم أحمد أبو زهير لقرب

ثانيا : الصدقات جمع صدقة وتتعدد إلى بدنية ومالية التي هي  من أبر أنواع التطوع  في الإسلام و تعني إخراج المال  تقرُّباً إلى الله تعالى وتشمل كل عطية في أي باب  من أبواب  البر والإحسان والنفع …وكما تكون في أوقات العافية والرخاء تكون في أوقات الشدة والأزمة  وكما تكون من الموسر تكون من المعسر وكما تكون مفروضة وهي الزكاة تكون تطوعية وهي أشمل وأوسع مجالات وأنواعا كما أنها المقصودة بالدرجة الأولى في مقالنا …ولا يوجد خلاف حول عظمة الصدقة وعظم فضائلها وجزالة ثواب المتصدقين والمنفقين في سبيل الله عموما سواء كان الأمر سرا أو جهرا إخفاء أو إظهارا ، إنما تكلم العلماء في الأولى والأفضل بنظر الإنسان إلى حال نفسه وإلى رجحان المصلحة وكثرة المنفعة استنادا إلى قوله تعالى : ( إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُم ) البقرة :271 وحديث  الصحيحين وغيرهما من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ” وذكر منهم “ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ” متفق عليه

  • فالآية الكريمة تُفيد أنَّ الصدقات في كلِّ أحوالها خيرٌ محضٌ

و قال بعض المفسرين :

  • الإظهارُ في الصَّدقة الواجبة ” الزكاة ” هو الأفضلَ
  • الإخفاء  في الصدقاتِ المندوبةِ والمستحَبَّةِ ” التطوعية  “هو الأفضلَ لقربها من الإخلاص وبعدها عن الرياء وإحراج الفقراء .

وجاء في تفسير التحرير والتنوير لقوله تعالى  : (   إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ)  فاطر: 29 ( فيه حث على الإنفاق كيفما تهيأ، فإن تهيأ سراً فهو أفضل وإلا فعلانية، ولا يمنعه ظنه أن يكون رياء، ويمكن أن يراد بالسر صدقة النفل، وبالعلانية صدقة الفرض…)

إن تلاوة القرآن وإقامة الصلاة والإنفاق هي التجارات التي لاتكسد ولا يخسر أصحابها أبدا …

كما جاء في تفسير المنار لقوله تعالى : ( إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قدير)  النساء : 149(…والأصل في الخير أن يفعل ، قولا كان أم عملا  وأما المفاضلة بين إبداء الخير وإخفائه فهي تختلف باختلاف العاملين والباعث على العمل وأثر الإبداء والإخفاء له ، فمن كان كامل الإيمان عالي الأخلاق لا يخاف على نفسه الرياء لا فرق عنده في إبداء الخير وإخفائه من جهة نفسه ، فهو يرجح أحد الأمرين على الآخر بنية صالحة ، أو منفعة بينة ، ومن ليس كذلك ينبغي أن يرجح الإخفاء حتى لا يكون له هوى فيه . ومن بواعث الإبداء قصد القدوة ، ومن بواعث الإخفاء قصد الستر وحفظ كرامة من يوجه إليه الخير كالصدقة على الفقراء المتعففين…)

وبعضُ العلماءِ يرى أنَّ أفضليَّةَ إخفاءِ الصَّدقةِ مقيَّدَةٌ بإيتاء الفُقراء خاصَّةً، لا في كلِّ الصَّدقات؛ تماشيًا مع منطوق الآية، يقول ابنُ القيم- رحمه الله : “تأمَّل تقييدَه تعالى الإخفاء بإيتاء الفقراء خاصَّةً، ولم يقُل: “وإنْ تُخفوها فهو خيرٌ لكم”، فإنَّ مِنَ الصَّدقةِ ما لا يمكن إخفاؤه؛ كتجْهيزِ جيشٍ وبناءِ قنطرةٍ، وإجراءِ نهرٍ أو غير ذلك” و هذا كله في الأحوال العادية ، أمَّا في الأحوالٍ الاستثنائيةٍ، فيلزم النظرُ في المصلحة المتحقِّقة بين إخفاءِ أو إسرارِ الصَّدقةِ الواجبةِ أو التطوعية وإدراك ما  قد يعرض للمفضول فيجعله فاضلا .وإذا كان هذا يتعلق  بنشاط فرد وعمل شخص لشخص أو لجهة ما  فكيف بنشاط جمعوي وعمل اجتماعي واسع الأثر كثير الامتداد …إنه يتوجب تدقيق النظر و توسيع أفق و أبعاد ما يمكن جنيه من غايات و مقاصد شرعية بالتأمل في تحقق مصلحة إعلان الصدقات وإظهارها بتفحصنا في الأوجه التالية :

  • إن الإنكار إنما يقع على ما أنكرته الشريعة لا ما ندبت فعله و امتدحته ” فنعما هي …”
  • إظهار العطاء  لا ينفي الإخلاص  كما أن الإخفاء لا يعني القبول.
  • الدلالة على الخير وتعميمه أمر مطلوب  فكم في أمة الخير من خير غير أن فيها من يحتاج إلى مفاتيح وقادة تبادر وتسعى وتدل وفي الحديث : (  من دلَّ على خير، فله أجر فاعله)  رواه مسلم
  • الدعاية الإعلامية عبر الوسائط المختلفة وما لها من سلطة و قوة تأثير وسرعة في تحقيق الغرض والمسلم مطالب بتسخير كل ما فيه تقوية  لدعوته وتمكين لدينه  وإبراز  لشعائره  ومحاسنه  من تراحم وتعاطف وتآزر بين أبنائه وإيصال صداها إلى الناس كافة …فكم من غير المسلمين استقطبته  صورة شاهدها أو خلقا رآه وكان داعية له للتعرف على الإسلام واعتناقه …
  • ترسيخ القيم المثلى في أبناء المجتمع للاقتداء والتأسي لغلبة ذلك على الطباع  وربما تزداد معه العناية بالمحتاجين وتوسيع دائرة التنافس على فعل المكرمات والفضائل
  • ما يخيل للبعض  من خيلاء وتعال  لدى صنف من المتصدقين قد لا يكون على حقيقته المذمومة فقد جاء في الحديث: ( إن الله يكره الخيلاء إلا في موقفين في الحرب وعند الصدقة ) رواه الحاكم ، والخيلاء في الصدقة يعني : فرح المؤمن وابتهاجه بفضل الله عليه وبفعله عندما تهزه أريحية السخاء فيطرب ويسر معطيا صدقته طيبة بها نفسه مرتاحا للعطاء وانتصاره على نفسه الشحيحة الأمارة بالبخل وعلى الشيطان  الواعد له بالفقر والمزين له البخل ، قال تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ) يونس:58، قال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار:”  وكذلك الاختيال عند الصدقة فإنه ربما كان من أسباب الاستكثار منها والرغوب فيها  ” ، وهذا السر العجيب – كما وصفه ابن القيم – تعمى عليه القلوب المعلولة  والأيدي المغلولة والألسن المشلولة إلا من فعل السيئات وقالة السوء …
  • أعمال ومشاريع  الجمعيات والهيئات الخيرية تحتاج إلى توثيق وتقارير أدبية ومالية وأرشفة دورية … والتصوير والإعلام والنشر بالغ الأهمية لعمليات الحملات التطوعية والوسائل والمواد المتبرع بها ولا يستساغ تصوير الأفراد والأسر المتصدق عليها ولا الإحراج بطلب ذلك منهم إلا ما كان عرضا في حملات عامة دون تشخيص أو تشهير … يقول الإمام الطبري – تعقيبا على قوله تعالى  : ( قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ) البقرة : 263″…  قولٌ جميل ، ودعاءُ الرجل لأخيه المسلم ، وسترٌ
  • منه عليه لما علم من خَلَّته وسوء حالته ، خير عند الله من صدقة يتصدقها عليه)
  • عمل الجمعيات والهيئات والمنظمات غير عمل الأفراد فهي مجرد وسائط خير بين المحسن المتصدق الذي قد لا يعرفه عدا الوسيط وبين المحتاج الذي يستفيد فلا يسري عليها ما يسري على الفرد
  • قد يكون المتصدق بإعلانه الصدقة يدفع شبهة المنع ومذمة البخل عن نفسه ويبرئ منهما ذمته وفي الحديث الصحيح : (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه).
  • تربية الأفراد سلوكيا وعمليا على عبادة الإنفاق مما يقوي الوعي الجماعي ويمتن رابطة الأخوة والتكافل  في أبناء المجتمع
  • الفعاليَّة الاقتصاديَّة في المجتمع تكون أكثر نشاطًا وحراكًا في حال كوْن الإنفاق علانيةً، لما فيه من تنافس وتسابق وهذا أثر اقتِصادي إيجابي .
  • ·        ليس كلُّ إنفاقٍ يختصُّ بالفقراء والمحتاجين فقط، بل هناك وجوهٌ أخرى لا يُراعَى فيها الجوانب النفسيَّة والمشاعر الإنسانيَّة، كالإنفاق على مصرف (في سبيل الله)، وكسائر أبواب الخير والبِرِّ، فهنا يمكن للمُنفِقِ أنْ يُعلِنَ عن إنفاقِه ويتحدَّث به بين النَّاس من غير حَرَجٍ، بشرط أن يخلص عملَه لله
  • من المشاريع والنوازل ما يتطلب مساهمة وتدخلا لأكثر من طرف و تحديد الجهة المتطوعة المسؤولة وهذا لا ينسجم معه ولا يصلح إلا إعلانه للناس و إبلاغهم بالأهمية والخطورة وضرورة التفاعل والانخراط  فيها تحقيقا وتسريعا للمبتغى …
  • تعزيز الشعور بوحدة الانتماء واستثمار الأوقات وتفتيق الطاقات والتدريب على التواصل والتعارف بين الشباب خاصة مقاصد كبيرة تتحقق أكثر في الأعمال التطوعية المنظمة ومنها الصدقات المعلنة …
  • محل قدوة المسلم بعد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – صحابته الكرام رجالا ونساء فقد أعلن الكثير من الصحابة صدقاتهم بين يدي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وتحت إشرافه فأثنى ودعا لهم ثم  كيف يتحقق ذلك  لولا تلك الصور المشرقة العجيبة التي وصلت إلينا بإعلانهم للصدقات و فشو التصدق بينهم  وأخبار تنافسهم ومسارعتهم  إلى البذل والإنفاق …في الترغيب في الإسلام  وتجهيز الجيوش وتنفيس الكرب و…فهذا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وقد كان له قطيع من الأغنام ، رآه رجل وهو يرعى بـين جـبلين فأعجبـه ، فذهب إليه وطلب  منه أن يعطيه له ، فلم يتردد عليه الصلاة والسلام  وأعطاه له  فأخذ الرجل القطيع وهو مسرور ، وذهب إلى قومه ، فقال لهم : يا قوم ، أسلموا ، فوا الله إن محمداً ليعطي عطاء من لا يخاف الفقر .( وفي ذلك

قال أنس بن مالك : إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا ، فمـا يـسلم حتى يكون

الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها ) رواه مسلم .و دونك : أبو بكرالصديق يتصدق  بماله كله  وعمر يقف أرض خيبر ويتصدق  بنصف ماله ، عثمان يجهز جيش العسرة ويحفر البئر و… أبو الدحداح ببستانه ، عائشة تتصدق بكل ما يجيئها من مال ، ونقل الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح : ( وكانت أم المؤمنين زينب ـ بنت جحش ـ  لمرأة صناعة باليد، وكانت تدبغ وتخرز وتصدق في سبيل الله،) وما سميت أم المؤمنين زينب بنت خزيمة الهلالية رضي الله عنها بأم المساكين إلا  لكثرة صدقتها  وقد ورد تصدق الصحابيات بكل حليهن في سبيل الله …وهذا مرثد بن عبد الله كان كلما يذهب إلى المسجد يأخذ صدقة حتى إنه يوما لم يجد سوى البصل فتصدق به ،و طلحة بن عبيد الله يقسم جل ماله على المهاجرين والأنصار ، وعبد الرحمن بن عوف ينفق نصف مال و500 فرس و1500ناقة …

و روى مسلم في صحيحه عن المنذر بن جرير عن أبيه قال: كنَّا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر النَّهار، قال: فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النِّمار أو العَباء، متقلِّدي السيوف، عامَّتُهم من مُضَر، بل كلُّهم من مُضَر، فتمَعَّر وجهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لِما رأى بهم من الفاقَة، فدخل ثمَّ خرج فأمر بلالاً فأذَّن وأقام، فصلَّى ثمَّ خطب، فقال :﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ إلى آخر الآية: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾النساء: 1، والآية التي في الحشر: ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾الحشر: 18، تصدَّق رجلٌ من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بُرِّه؛ من صاع تَمره، حتى قال: ولو بشِقِّ تمرة)، قال فجاء رجل من الأنصار بصُرَّة كادَت كفُّه تَعجِز عنها، بل قد عجزَت، قال: ثمَّ تتابَع النَّاس، حتى رأيتُ كومين من طعامٍ وثياب، حتى رأيتُ وجهَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلَّل كأنَّه مُذْهَبَةٌ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سَنَّ في الإسلام سنَّةً حسنة، فله أجرها وأجر من عَمِل بها بعده، من غير أن يَنقص من أجورهم شيء، ومن سَنَّ في الإسلام سنَّةً سيئة، كان عليه وِزرُها ووِزر من عَمل بها من بعده، من غير أن يَنقص من أوزارهم شيء)

وقد كان يتنافس على التصدق على فقراء الصحابة الذين عرفوا بأهل الصفة وإطعامهم ولم يكن ثمة حرج في  معرفتهم بأسمائهم والحرص على خدمتهم …

  • حكى أن قيس بن سعد كان عنده بستان ، وباعه إلى معاوية بن أبي سـفيان  بتسعين ألفاً ، فلما أخذ الثمن ، أعطى نصفه للناس كهدايا وهبات . ثم طلب من المنادي أن ينـادي في المدينة بأن من كان محتاجاً إلى المال ، ويريد أن يقترض ، فليذهب إلى قيس ليقرضه . فجاء نـاس كثير إلى قيس ، فأقرضهم جميعاً ، حتى نفد المال ، وكان قيس

يأخذ على كل مقترض ورقـة(وصل ) فيهـا المبلغ الذي اقترضه . وبعد فترة من الزمن مرض قيس ، فلم يزره إلا عدد قليل من أصحابه  فقال لزوجته : لمَ قلَّ زواري ؟ فأخبرته بأنهم  يستحيون من زيارته ؛ لما له عليهم من ديون  فأحضر قيس الأوراق التي سجل فيها الديون التي على الناس ، وأرسل لكل واحد الورقة الـتي فيها دينه ، ففرح الناس بذلك ، وشكروا لقيس كرمه وجوده  ولم تمر ساعات حتى كثر الزوار ، وامتلأ بهم بيت قيس وهكذا كان قيس يقرض المحتاج ويقضي عن الفقراء ديونهم  ،

وكان يقول : ” اللـهم ارزقني مالاً وفعالاً ، فإنه لا يصلح الفعال إلا بالمال “

  •    الوزير العباسي الفضل بن يحي كان شديد الكرم ، ينفق بسخاء حتى بلغ ما أنفقه في ليلة واحدة مائة ألف دينـار . وكان إذا جاء الشتاء تصدق بجميع ما في خزانته من كسوة الصيف ، وإذا جاء الصيف تصدق بجميع ما في خزانته من كسوة الشتاء ، فأحبه الناس لكرمه .
  • وقد كان منهم من يتحدث بجميل صنيعه وبر صدقاته

ففي صحيح البخاري عن أبي عبدالرحمن، أنَّ عثمان رضي الله عنه حين حوصِر أشرَف عليهم، وقال: أنشدكم الله، ولا أنشد إلاَّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ألستم تعلمون أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مَن حفر رومة فله الجنَّة)، فحفرتُها؟ ألستم تعلمون أنَّه قال: (من جهَّز جيشَ العُسرة فله الجنَّة)، فجهَّزتُهم؟ قال: فصدَّقوه بما قال .

وعن حَكيم بن حِزام رضي الله عنه قال: “ما أصبحتُ صباحًا قطُّ فرأيتُ بفنائي طالب حاجة قد ضاق بها ذرعًا فقضيتُها، إلاَّ كانت من النِّعم التي أحمد اللهَ عليها، ولا أصبحتُ صباحًا لم أرَ بفنائي طالب حاجة، إلاَّ كان ذلك من المصائب التي أسأل الله عزَّ وجلَّ الأجرَ عليها “

ثالثا : الصدقة معناها كامن في بنائها اللغوي فهي مشتقة من الصدق ومرتبطة بالإيمان  والرغبة الصادقة في  بذل الخير قصد نيل رضا الله وثوابه ، فالصدقات والتطوعات تحمل هذا الصدق وتتوشح بسمو هذه المعاني والمشاعر الجليلة ،وهي نوع من العمل الصالح الذي يجب أن يتوفر فيها شرطا الإخلاص والموافقة للشرع حتى يحظى بالقبول عند الله تعالى

والإخلاص في اللغة  مشتق من خَلَص الشيء إذا  صفا من أي شائبة  وفي الاصطلاح يعني أن  يصفى العمل من الرياء والشرك وغيرهما فلا يقصد به إلا وجه الله وحده وهو متضمن في المعنى الواسع للنية لما  يقصد بها تمييز المقصود بالعمل لذي لا يجب أن يكون لدى المسلم سوى الله  ، يقول ابن القيم – رحمه الله:”وإنّ النيّة بمنزلة الروح، والعمل بمنزلة الجسد للأعضاء، الذي إذا فارق الروح ماتت”

والإخلاص و النية محلهما القلب الذي ليس في مقدور أحد أن يشق عليه كما لم يؤمر أحدنا

بالحكم  إلا على  الظاهر من أعمال الناس، وفي الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال :

 (… قَامَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ ، مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ ، نَاشِزُ الْجَبْهَةِ ، كَثُّ اللِّحْيَةِ ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ ، مُشَمَّرُ الإِزَارِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، اتَّقِ اللَّهَ ! قَالَ : وَيْلَكَ ! أَوَلَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الأَرْضِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ! قَالَ : ثُمَّ وَلَّى الرَّجُلُ . قَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلا أَضْرِبُ عُنُقَهُ ؟ قَالَ : لا ، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي . فَقَالَ خَالِدٌ : وَكَمْ مِنْ مُصَلٍّ يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ ؟! قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ ، وَلا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ )

وعن عَبْد اللَّهِ بْن عُتْبَةَ قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : ( إِنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالْوَحْيِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنَّ الْوَحْيَ قَدْ انْقَطَعَ ، وَإِنَّمَا نَأْخُذُكُمْ الآنَ بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا خَيْرًا أَمِنَّاهُ وَقَرَّبْنَاهُ ، وَلَيْسَ إِلَيْنَا مِنْ سَرِيرَتِهِ شَيْءٌ ، اللَّهُ يُحَاسِبُهُ فِي سَرِيرَتِهِ ، وَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا سُوءًا لَمْ نَأْمَنْهُ وَلَمْ نُصَدِّقْهُ ، وَإِنْ قَالَ إِنَّ سَرِيرَتَهُ حَسَنَة ) رواه البخاري

 ومما يجب الاحتياط له : الرياء وهو مشتق من الرؤية وهو أن يعمل المرء العمل ليراه الناس قاصدا المدح والتعظيم والرغبة أو الرهبة في من يرائيه ، وهو ضد الإخلاص وكذا السمعة المشتقة من السمع وهو أن يعمل العمل ليسمعه الناس لأجل ذلك أيضا وكذا العجب وهو رؤية العبادة، واستعظامها من العبد، فهو معصية تكون بعد العبادة، ومتعلقة بالطاعة وهو حرام غير مفسد للطاعة؛ لأنه يقع بعدها، بخلاف الرياء، فإنه يقع معها فيفسدها، وسر تحريم العجب أنه سوء أدب مع الله تعالى، فإن العبد لا ينبغي له أن يستعظم ما يتقرب به إلى سيده، بل يستصغره بالنسبة إلى عظمة سيده ، فإذا تحقق هذا فالمسارعة إلى الأعمال الصالحات ومنها الصدقات بشتى أنواعها وبقلب مطمئن لا تعود على صاحبها إلا بالمنح والعطاءات الربانية الفياضة والأجر العظيم في دنيا المنفق وآخرته ولا يجب الالتفات إلى عوارض ذلك ومعارضيه السلبيين ، يقول الفضيل بن عياض رحمه الله: (إن ترك العمل لأجل الناس رياء ، والعمل لأجل الناس شرك قال : فلو فتح الإنسان عليه باب ملاحظة الناس والاحتراز من تطرق ظنونهم الباطلة لانسد عليه أكثر أبواب الخير)

والله تعالى يقول : (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) البقرة : 274

يقول رشيد رضا  : فيه بيان عموم الأوقات مع عموم الأحوال من الإظهار والإخفاء ، وفي

تقديم الليل على النهار والسر على العلانية إيذان بتفضيل صدقة السر ، ولكن الجمع بين السر والعلانية يقتضي أن لكل منهما موضعا تقتضيه الحال وتفضله المصلحة لا يحل غيره محله …وهؤلاء الذين ينفقون أموالهم في كل وقت وكل حال لا يقبضون أيديهم مهما لاح لهم طريق للإنفاق هم الذين بلغوا نهاية الكمال في الجود والسخاء وطلب مرضاة الله)

فالله تعالى  استوعب زمن الإنفاق وكيفيته  ليشيعه في كل زمن و بكل هيئة ما خلصت النيات وحفظت الكرامات و تحققت المصالح … وقد ذكر الأولون أن معاقد الخيرات على كثرتها محصورة في أمرين : ” صدق مع الحق ، وخلق مع الخلق ” والذي يتعلق بالخلق محصور في قسمين : إيصال نفع إليهم ودفع ضرر عنهم ، فقوله) : إن تبدوا خيرا أو تخفوه  ( إشارة إلى إيصال النفع إليهم ، وقوله : أو( تعفوا)   إشارة إلى دفع الضرر عنهم ، فدخل في هاتين الكلمتين جميع أنواع الخير وأعمال البر .

   ولا يضر فاعل الخير في أن يطلع الناس على عمله الصالح  فيثنوا عليه به ويحمدوه، فيسره ذلك ويستبشر به خيرا ، فتلك عاجل بشرى المؤمن ، يقول ابن الجوزي- رحمه الله  : “والمعنى  أن الله تعالى إذا تقبل العمل أوقع في القلوب قبول العامل ومدحه ، فيكون ما أوقع في القلوب مبشرا بالقبول ، كما أنه إذا أحب عبدا حببه إلى خلقه وهم شهداء الله في الأرض “وهذا ما هو حاصل – إن شاء الله – وما ينبغي الثبات عليه من رجالات الخير وسواعد العطاء الذين لا يفتأون يضعون بصماتهم في كل محطة ويسجلون بطولاتهم مع كل نازلة : يعينون… يغيثون …يكفلون …يداوون …يطعمون …يكسون …ينقذون…إحسان لا يتوقف وبذل لا  ينقطع أعمال إنها الصدقات الراجحة التي ستظل شاهدة على ملحمة شعب  آمن بالله فانتصر ولاذ بوحدته فأعجب وأبهر … وأشواكا في حلوق  خونة الدين والوطن وغيظا يملأ صدورهم إلى يوم الدين ، وعند ربك تلتقي الخصوم قال تعالى : ( وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) البقر : 148

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق